الكاتب المالي مانتيا دياوارا ضيف مركز  »الخبر » للدراسات الإستراتيجية
الوضعية التي تمر بها ليبيا وتونس تستبعد انتقال  »الربيع العربي » إلى الدول الإفريقية
السبت 15 ديسمبر 2012 الجزائر: حميد عبد القادر
الدول الغربية تعتقد أنها صاحبة الخيرات الإفريقية ولا يجوز لأحد أن يتقاسمها معها

قدم الكاتب المالي، مانتيا دياوارا، الذي حاضر بالجزائر بدعوة من مركز  »الخبر » للدراسات الإستراتيجية، وبالتعاون مع المدرسة الوطنية العليا للصحافة والإعلام، ضمن اتفاقية مشتركة بينهما، وضعية قاتمة عن القارة الإفريقية، واعتبر أن عدم قدرة الأفارقة على فرض الوحدة بأنفسهم،

وبالأخص في الدول التي تعاني من الانقسام على غرار مالي، سيؤدي إلى فرض هذه الوحدة من قبل دول أجنبية.

عاد الكاتب المالي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، مانتيا دياوارا، إلى ظروف النضال ضد الاستعمار في إفريقيا، وتوقف عند ندوة المثقفين الأفارقة التي انعقدت سنة 1956 في لواندا، والتي سطرت معالم قارة إفريقية موحدة، اعتمادا على نوع من  »اليتوبيا » التي كانت تحلم بإنشاء الأمم المتحدة الإفريقية. وأضاف دياوارا في محاضرته المنظمة بالتعاون بين مركز  »الخبر » للدراسات الإستراتيجية والمدرسة الوطنية العليا للصحافة والإعلام، أن حركة  »النزنوجة » التي كان يتزعمها ايمي سيزار، وهي حركة أدبية وسياسية، نشأت في حقبة الثلاثينيات من القرن الماضي وتبنت فكرة  »الزنوجة » كمعادل للهوية في مواجهة الاستعمار العنصري الفرنسي آنذاك. وذكر دياوارا أن المثقفين الأفارقة آمنوا آنذاك بأن الإرث المشترك للسود والأفارقة بصفة عامة والمنتشرين في عالم الدياسبورا، هو الأداة الأكثر فعالية لمحاربة الهيمنة الفرنسية والاستعلاء السياسي والفكري. وتأثرت حركة الزنوجة بما يعرف بنهضة هارلم بالولايات المتحدة الأمريكية وعلى وجه الخصوص بأعمال الكاتبين الأمريكيين المنحدرين من أصول إفريقية، وهما لانجستون هيوز وريتشارد رايت، اللذين تركز أعمالهما على مفهوم السواد والعنصرية.

وركز دياوارا في تحليله لواقع القارة الإفريقية، اليوم، على طبيعة الأنظمة السياسية التي برزت عقب الحصول على الاستقلال، بدءا من غانا سنة 1952، ووصفها بالأنظمة التي أوجدت إخفاقا كاملا وشاملا من حيث طبيعة الأنظمة السياسية التي أوجدتها، والتي كانت معادية للديمقراطية، فوصفها بالسجن المخصص للأفارقة أنفسهم. وتحدث دياوارا الذي يشغل منصب أستاذ الأدب المقارن بجامعة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، عن الانحرافات الحاصلة على مستوى المجتمعات الإفريقية، وحلل شخصية الإنسان الإفريقي واعتبره بمثابة الإنسان الذي لايزال يختزن في أغوار نفسيته كثيرا من السلوكيات السلبية، منها الروح القبلية والعنصرية التي تبرز من بلد إفريقي إلى آخر وصناعة الكراهية بين أفراد القارة الواحدة، وهو ما انعكس سلبا، حسبه، على مستقبل العلاقات بين الدول الإفريقية.

سكان المغرب العربي لا يعتبرون أنفسهم أفارقة

وقدم المحاضر عدة أمثلة عن هذه الظاهرة، وقال  »في كثير من الأحيان لما أحضر  فعاليات مهرجان قرطاج الدولي للسينما بتونس، ينتابني إحساس بأن سكان شمال إفريقيا يعتقدون أنهم خارج القارة الإفريقية، وينظرون إلى جنوب المغرب العربي كأنه هو القارة الإفريقية »، وأضاف:  »أعتقد أن الدول الإفريقية تجد نفسها، اليوم، أمام ظاهرة خطيرة، وهي أنه في حال عدم توصل الأفارقة إلى تحقيق الوحدة والتواصل في ما بينهم، فإن الدول الغربية وأمريكا هي التي تتكفل بتحقيق هده الوحدة ». وبخصوص التدخل المستمر للدول الغربية في القارة الإفريقية، قال دياوارا:  »أرى أن الدول الغربية وبالأخص القوى الاستعمارية القديمة، تعتقدا بأنها صاحبة الخيرات الإفريقية، ولا يجوز لأحد أن يتقاسمها معها. وهي مستعدة للتضحية بحياة البشر في إفريقيا من أجل حماية مصالح في قطاعات البترول بالكونغو والغابون، والقطن في الجمهورية الديمقراطية للكونغو، أو اليورانيوم في النيجر ».

وعن سؤال حول إمكانية انتقال ما أصبح يسمى اليوم  »بالربيع العربي » إلى الدول الإفريقية، استبعد الكاتب المالي إمكانية حدوث ذلك، بسب غياب نفس الإحساس الذي يشعر به المواطن العربي عن ذلك الذي نجده لدى الإنسان الإفريقي الذي لا يملك إحساسا مماثلا في تعامله مع السلطة السياسية. وقال:  »إن الهوية العربية تختلف عن الهوية الإفريقية، بالتالي أستبعد حدوث ربيع عربي في إفريقيا ». وأضاف أن الوضعية التي تمر بها ليبيا وتونس حاليا، لا تشجع بدورها على انتقال  »الربيع العربي » إلى دول إفريقية أخرى.

وأصرّ دياوارا على إبداء غضبه من الدول الغربية التي لا تزال تمارس سياسة استعلائية واستغلالية تجاه البلدان الإفريقية، وحذّر من استمرار الانقسامات الحاصلة في أكثر من دولة إفريقية، داعيا إلى ضرورة الشروع في تحقيق الوحدة من داخل هذه البلدان، لتجنب فرض وحدة صورية من قبل قوى أجنبية، لا تختلف عن الروح الاستعمارية التي انتشرت خلال القرن التاسع عشر، وقال:  »كلنا غاضبون من السياسات الغربية ».

وبخصوص الانقسام الحاصل في مالي حاليا، قال المحاضر:  »أعتقد أنه يجب توحيد مالي بمساعدة بلدان إفريقية حتى لا تعرف الأوضاع مزيدا من التعفن »، في إشارة واضحة إلى رفض أي تدخل أجنبي قد يحصل ويؤدي، حسبه، إلى تنامي دور الجماعات المتطرفة وانتشاره في أكثر من دولة، ما يهد الأمن في المنطقة. وانتقد دياوارا مختلف الحركات المتطرفة التي استقرت بشمال مالي، واتهم رئيس الوزراء المستقيل شيخ موبيدو ديارا، بالضلوع في تعفن الأوضاع في البلاد. واعتبر الجزائر بلدا مهما قادرا على مساعدة الشعب المالي على تجاوز أزمته، نظرا لوجود علاقات بين البلدين تقوّت خلال مرحلة حرب التحرير، حيث ساند الشعب المالي الذي تحصل على استقلاله سنة 1960، الجزائريين في نضالهم ضد الاستعمار، مذكرا بأن رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة اتخذ من مالي كقاعدة لفتح جبهة مناهضة للاستعمار من الجنوب. كما ذكّر الحضور بالدور الذي لعبته الجزائر في مساعدة الماليين على تجاوز انقساماتهم الداخلية أول مرة سنة 1963، ثم سنة 1990 وهي السنة التي عرفت الإمضاء على وفاق وطني بين التوارف والحكومة المالية.

أي تدخل أجنبي في مالي سيحوّل البلاد إلى صومال جديد

ويعتقد دياوارا أنه في حال وقوع أي تدخل أجنبي شمال شمالي، فإن ذلك سيحوّل البلاد إلى صومال جديد، وقال:  »بإمكان التدخل الأجنبي أن يجعل من زعماء الحركات المتطرفة، بمثابة أسيد في المنطقة، إذ يسرعون لإيجاد مخابئ لهم في الصحراء المجاورة، بالأخص في موريتانيا والنيجر أو التشاد. وهذا يؤدي بلا شك إلى زعزعة استقرار هذه البلدان الفقيرة. ومن الواضح كذلك أن حالة الحرب سوف تؤدي إلى تهجير السكان، لكن الحديث عن تأثيرات وفق نظرية  »الدومينو » مثلما لاحظناه خلال غزو ليبيا من قبل الحلف الأطلسي، يعني خطوة أخرى نحو التدخل الأجنبي للقوى الغربية في بلد إفريقي بعد خمسين سنة من استقلاله. ويمكن أن نفهم وضعية الجزائر التي تفضّل إيجاد حل للأزمة المالية بواسطة الحوار، لكن مثلما أشرت إليه سابقا، فإن بعض الأطراف سوف تعرقل عملية الحوار سواء أكان في الشمال أو الجنوب، إذا ما لم يتم إنشاء حكومة منتخبة من قبل الشعب الذي يكون بإمكانه الاقتراع ».

ومن بين المشاكل التي تتخبط فيها القارة الإفريقية، حسب مانتيا دياوارا، مسألة المرجعيات والذهنيات، فقال إن المرجعيات الغربية هي المسيطرة في منظومة التفكير الإفريقية، ما لا يسهل عملية تحقيق فكرة الوحدة الإفريقية التي كانت بمثابة حلم المثقفين الأفارقة في خمسينيات القرن العشرين. وهذه المرجعيات الغربية المنتشرة، هي التي حالت دون انتشار السلع الإفريقية داخل القارة وعرقلت تنقل الأشخاص  »الحواجز موجودة إفريقيا بشكل مكثف، ما يرهن سهولة الانتقال من دولة إلى أخرى ». وانتقد دياوارا بخصوص هذه المسألة، المثقفين الأفارقة الذين يلجأون إلى النظريات الغربية على حساب الثقافة المحلية، وهو ما يؤدي، حسبه، إلى انتشار نوع من انفصام الشخصية على مستوى النخب، وهو الانفصام الذي ينتقل إلى الفئات الشعبية، وأضاف:  »تعاني إفريقيا مثلا من مشكلة عنصرية، نجدها بين الأفارقة ذوي البشرة السوداء القاتمة والبشرة السوداء الأقل قتامة ».

وتوقف دياوارا، في محاضرته، عند مسألة الإحساس المختلف من بلد إفريقي إلى آخر، وقال:  »في مالي مثلا، كنا نسمع الماليين يتحدثون عن الجرائم والحروب التي كانت تقع في كوت ديفوار أو الكونغو بنوع من التفكير الغريب، كانوا يعتبرون أنفسهم شعبا مختلفا لا يخطئ، وأنه يملك إحساسا مغايرا يجعله بعيدا عن حالة الاقتتال الدموي، وإذا بهم، اليوم، يكتشفون أنهم لا يختلفون عن باقي الأفارقة وأن العنف دق أبوابهم ».

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :